السيد محمدحسين الطباطبائي
99
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
بروح القدس ، كما ذكر لعيسى - عليه السلام - . ومنها : ما ليس كذلك وإنّما يدلّ عليها بالإضافة ؛ فالتكليم ليس بنفسه منقبة حتّى يضاف إلى شيء يكتسب منه المنقبة ، فيقال : « تكليم اللّه » ، وكذا رفع الدرجات ، حتّى يقال : « رفعه الدرجات » - كان - وهذا هو الوجه في الالتفات من التكلّم إلى الغيبة في اثنتين من الجمل الثلاث ، حيث قال : مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ فحوّل وجه الكلام إلى الغيبة في الجملتين الأوليين ؛ حتّى إذا استوفى الغرض عاد إلى وجه الكلام الأوّل وهو التكلّم ، فقال تعالى : وَآتَيْنا عِيسَى . وذلك هو الوجه في إيراد عيسى باسمه دون الباقين ؛ إذ إيتاء البيّنات والتأييد بروح القدس مشتركان بين الرسل جميعا ، ليسا بمنقبة لأحد بعينه ، قال تعالى : لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ « 1 » وقال : يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا « 2 » لكنّهما في عيسى حيث كانا بنحو خاصّ - كإحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص من البيّنات ، ونفخ الروح - أضافهما إليه ، فصرّح بالاسم فيه دون غيره . على أنّ في اسمه خاصّة أخرى وآية بيّنة : وهو أنّه ابن مريم لا أب له ، قال تعالى : وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ « 3 » فمجموع الامّ والابن بيّنة تامّة أخرى ، هذا . ثمّ وقع الالتفات إلى الغيبة ، فقال تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ
--> ( 1 ) . الحديد ( 57 ) : 25 . ( 2 ) . النحل ( 16 ) : 2 . ( 3 ) . الأنبياء ( 21 ) : 91 .